الرئيسية / أدب / تفاصيل لا تعنيك نورة عبيد : كاتبة تونسيّة

تفاصيل لا تعنيك نورة عبيد : كاتبة تونسيّة

تفاصيل لا تعنيك
نورة عبيد : كاتبة تونسيّة
سمعته يغني. وأعجبني ان بغني دون كلمات. يخرج لحنا منسابا خافتا بثير الحنين إلى كلّ شيء ولا شيء. يهشّ بعصاه ذات اليمين وذات الشّمال كأنّه يزن شيئا لا اراه. يرفع عينيه إلى الأفق الممتدّ ويبتسم في تحفّظ، ثمّ يجلس بين شجرتي برتقال وزنباع. يتكئ على الجانب الأيمن على عشب نضر ترعرع لتّوّ. ثمّ يرسل تنهيدة طويلة يشجّ لها القلب ويعتصر.
كنت وراءه وتظاهر انّه لم يلمحني فتخفّيت بين ظلال القصب الكثيف. وكان يسعدني ان اسجّل حركاته وسكناته. وأشد ما يسعدني انّه يهبني تلك الفسحة في اطمئنان.
ثمّ قال: «الظلّ كرمة والهوى زيتونة ولّي يحب طفلة يحب القلب و النونة.» والكرمة شجرة التين والهوى الهواء وجدّي بارع في ترتيب الظّلال واختراع الهواء الذي يوافق ريحه، ونسج الهوى ما أمكن له النّسج. يومها خلته قال ” القلب والتوتة” ولم أستغرب فجنّتنا التي تأوينا والظلال التي نستظلّ بظلّها والغلال التي تروينا والأرض التي ترضينا من ظلّه وغرسه.
ولمّا كبرت تصاعد همس التّجلّي ونما وعلمت الهوى وظلّه والكرمة وشهوتها والزّيتونة ومتعتها. فكنت بينهما طور سنين. وغاب عنّا البلد الأمين.
أنهى جملته وهو يتمتّع بنسائم مساء صيفيّ تحرّكت مراكبه، مباركا حقل الزيتون الممتدّ أمامه في انتظام بهيج، شاكرا وفرة المحصول المنتظر، ثمّ ناداني دون أن يلتفت أن اجلسي بجانبي.
– يسبقك ظلّك. فأحتار لم تقتفين خطاي؟
– لأقيس خطواتي بخطواتك! بين خطوتيك أربع خطوات من خطواتي!
– وهذا عين الصّواب. اٌخطي خطواتك. لا تكوني كالقطا.
– وأنت؟ أريد ان أكون مثلك. “سلّوم الحارة ” كما تقول أمّي “أمّ الخير ”
– يكفي أن تعشقي هذه الأرض لتكوني مثلي. لم تكن سهلة المنال. وهبتها شبابي وصحّتي. حرمت نوم الصّباح وراحة المساء. تغافلت عن لوعة الوالد لتكون الشّفاء.
– ولم تجلس هنا؟
– هنا. أسترجع رحلة الجدّ. كانت هذه الأرض على ملك عائلة إنقليزيّة، اشترتها من طبيب فرنسيّ ثمّ اشترتها عائلة من قليبيّة. وكانت أشجار صنوبر وكالتوس، وأرادوا أن يحوّلونها إلى أرض صالحة للزراعة. فلم يجدوا من سبيل إلاّ قلع الأشجار. وكان يسمّى ذلك “مٌكاسرة” فقبلتها على أن أنال خمس ما أقلع من الأشجار. كان عملا شاقّا قلع الأشجار. نبدأ بتجريد الشّجرة من الأغصان. ثمّ نصفّفها جانبا ويأتّي الحطّابون لجلبها. ثمّ نأخذ في اجتثاث الجذوع ويتطلّب ذلك الحفر والقلع والاستئصال التّام. وما نأتي على جذع حتّى يأتي علينا.
– من نحن؟
– أنا وأمّك عائشة.
– أمّي عاشه!
– أي نعم. كانت سندي وظلّي.
– وأنت؟
– كنت القلب والتّوتة. ولمّا نلت نصيبي من المكاسرة. وبعد سنوات اشتريت من العائلة القليبيّة نصيبهم فقد ملّوا القدوم من قليبيّة لرعاية أرض لا بئر يحميها. والفضل لأمّك عاشه فقد باعت حلّيها من الذّهب، وبقرتها الحلوب، وقرون الخروب التّي كانت تدقّها ثمّ ترحيها و تخلطها بالزّيت و العسل و تبيعها للعائلات الايطاليّة بحمّام الاغزاز. وكانوا يقدّمون لنا أثمانا تعدّ في زمني ثروة.
– والبئر؟
– قصّة أخرى. عمّ الجرب بحارتنا فاتجهنا أفواجا إلى طبيب يسكن بالغاب الأماميّة يدعى ” فالو” أخذت أباك وجدّتك وقصدته. هناك انتظرنا ما يقارب السّاعتين أو يزيد. ولمّا صرنا بحوزته، وكان الحال حال خريف قدّم لنا ماء. فقد بدا العطش على أبيك. لا أعرف كيف أخبرته أنّ قطرة تروينا، أمّا أرضنا فتموت يوما بعد يوم. فلا طاقة لنا على حفر الآبار. وأنّ الجرب الذي غزانا من بعيرنا العطشى أتت به ريح غربيّة رطبة فعشّش فينا.
لا أعرف يومها إن سخر منّي أم لا؟ لقد كان يفهم العربيّة ويتكلّم لغتنا السّيّارة. وبعد أن قدّم لنا خليطا من محاليل ذات رائحة كحوليّة. وقبيل ان أغادر. سألني إن كنت أملك أرضا لأحفر بئرا أم لا. ويسّر لأرضكم غطاءها وغطاءكم.
– لهذا السّبب تجلس هنا؟
– في الحقيقة لا.
– ولم في هذه الفتحة المنبسطة بالذّات؟ وفي كلّ مرّة تتنهّد وتعيد نفس الحركات كأنك تسلّم أو تصلّي.
– كبرت يا حرّة! ودخلت بين الجلد والعظم.
قبّلت يداه دون أن أشعر واتكأت على ركبته اليمنى حين جلس، وبقيت أتابع غيمات صيفيّة كأنّها يمام يرقص في بهاء. – هنا بالذّات أجهضت جدّتك توأما. وكانا ولدين. كان ذلك في نهاية المكاسرة. تعبت يومها كثيرا ورجوتها أن ترتاح. ولم تقبل إلاّ حين حلفت بالجلالة. فتركتني وتمدّدت في هذا المكان لأنّها لم تقو على الوصول إلى “المعمّرة”. حين بلغني أنين متواصل، كنت أخال طائر “برني” أصاب سمّانة متخفيّة في “الحصيدة”. فحثثت الخطى حتّى أنقذها وتكون عشاء لجدّتك فمرق السّمان دواء. ولكّن أنيني وقع على أنينها. وخطوي وافق خطوها. وفي السّرّ وهبتهما اسمي الحسن والحسين وواريت ثراهما هنا.

شاهد أيضاً

انتظار – اكرم التميمي – العراق

انتظار سيبقى الليل في ليل وطقوس الليل تسبقني وبين الحلم والظن تسابيحي واحلامي فما عادت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *