الرئيسية / مقالات / يجب ان نجعل البصرة تصرخ من الألم! – صائب خليل

يجب ان نجعل البصرة تصرخ من الألم! – صائب خليل

يجب ان نجعل البصرة تصرخ من الألم!

صائب خليل

26 آب 2018

 

عندما صعد اليندي إلى رئاسة شيلي، ببرنامجه الذي اعلن فيه عن نيته توجيه ثروات البلاد لفائدة الشعب، ورغم كل محاولات أميركا لمنع وصوله، قال الرئيس الأمريكي كيسنجر لمسؤول السي آي أي: “يجب ان نجعل اقتصاد شيلي يصرخ من الألم”! (1)

وبالفعل، حين لم تتحمل شيلي الألم، وصرخت، اطلقت أميركا عليها الجنرالات الذين تم إعدادهم لإنهاء الموضوع، وغرقت شيلي في دكتاتورية دموية لم تر مثلها من قبل ولا من بعد.

 

لم يقل أحد “يجب ان نجعل البصرة تصرخ الماً” لكني أكاد اسمعها تهمس بين شخوص ذات المتآمرين قبل نصف قرن على تشيلي، فلا يوجد تفسير لما يجري سوى هذا. القضية تبدو أشد مما يمكن ان يفسره الفساد أو الجهل أو الصراعات الداخلية. هناك تخريب متعمد وحماية للتخريب، فلا يبدو أنه يسمح لأحد ان يمسه بشكل مؤثر. ولعله لا يوجد دليل على ذلك اقوى من حقيقة تعود إلى سنوات الخير الاقتصادي الماضية في العراق، حيث لاحظت ان محافظة البصرة كانت اكثر محافظة في إعادة نسبة من الأموال المخصصة لها دون استعمالها!! وطبعا هذا كان رغم الفساد الكبير والتبذير الكبير. إنه من المدهش ان لا تجد الحكومة المحلية مشروعاً يحتاج إلى الأموال في البصرة! لا شبكة المياه السيئة الصيت، ولا الأنهار الصغيرة التي تسدها القمامة ولا البنية التحتية المهترئة، ولا حتى وسائل النقل العام السهلة التطوير.

 

لم يكن هذا الحال مقتصراً على البصرة، إنما كان فيها أعلى من غيرها، ولعل هناك سبب وجيه لمن يقود ذلك الاتجاه. أن ما يجري في العراق لا يفسره الفساد حتى بأشد انواعه! إنه تخريب منظم على اعلى المستويات، ومحمي بسلطة أعلى من سلطة الحكومة ذاتها. ما كان وما يزال هو تخطيط مركزي أن يمنع توجيه أموال النفط للبناء بأي ثمن!

لدي دليل على هذا بالحسابات البسيطة، لكني آثرت تركه لمقالة مستقلة ستأتي قريبا (آمل ذلك) بعنوان “المخطط: ان لا تبنى طابوقة في العراق!”. والبرهان يستند إلى ان الربح الأكبر من الفساد في بلد مثل العراق، هو في زيادة قيمة المقاولة، وليس بعدم انجاز المشروع بشكل عام. أي أننا كنا سنرى مشاريع منجزة، إنما بأضعاف قيمة المبالغ الحقيقية لها، وأن عدم انجاز المشروع في هذه الحالة لا يزيد أرباح المقاول بدرجة يكون فيها عدم الإنجاز مغريا.

 

لماذا يريدون للبصرة ان تصرخ من الألم؟ إنهم يريدون ذلك لكل العراق، فهو الهدف الذي تبين منذ اول أيام الغزو الأمريكي. أما أولوية البصرة فلأنها “نفط العراق”، وان خير طريقة لأخذ هذا النفط هي بفصله عن بلده أولاً، ليكون بلدا صغيرا لا يقوى على ان يقول أية “لا”. والخطوة الأولى لهذا الفصل هي الفدرالية، ثم تأتي بقية الخطوات تباعاً. وقد خصصت جهود كبيرة من اجل هذا الهدف، وحدد لبعض العملاء كهدف ومهمة أساسية وسلمت لهم محطات تلفزيونية تعلن حتى بين برامجها دعايات لإقليم البصرة، وحاز المشروع وتوأمه “إقليم الوسط والجنوب” على دعم من نواب ومن كتل سياسية دينية مهمة.

 

الخطة بسيطة: حاول ان تقنع اهل البصرة بأن من الأفضل لهم أن ينفصلوا عن العراق وأن حياتهم ستكون افضل بكثير مما هي مع العراق. لن تنجح طبعا، فارتباط اهل البصرة الروحي بالعراق عميق جدا، وحتى لو اقتنعوا ان وضعهم المادي سيكون افضل فلن يكفي هذا. الحل لهذه المشكلة هو مثل حل اية مشكلة كبيرة: جزئها أولا. ادعوهم للحصول على الفدرالية داخل العراق، ثم سيكون الوضع اكثر تقبلا للخطوة التالية.

ومن الناحية الأخرى اجعل حياتهم داخل العراق جحيما لا يطاق، وبكل الطرق، واجعلهم يعون هذا الجحيم وامنع أي اصلاح يقلل الضغط. بل العكس، حاول ان تجعلهم اكثر إحساسا بالألم والقلق من خلال التركيز على كل خلل والمبالغة به إن امكن. وإن لم تكف المعاناة الحقيقية، توجب اختراع أنواع اضافية إعلامياً!

 

ماذا عن الحكومة؟ الن تهب لتغيير الوضع؟ ألن يتنافس الكثيرون لعرض خدماتهم أملا بانتخابهم في الموسم القادم؟ نعم، إن كانت حكومة البلد تأتي بانتخاب الشعب وتحرص على رضاه، لكن لو قام الاحتلال بتعيين حكومة العراق تعيينا، لعرف الساسة من الذي يجب ارضاؤه ليصلوا إلى الحكم. وحين يعين الاحتلال الحكومة تعيينا، فسوف يعرف من يختار: اشد من يجد في البلاد من المستعدين للطاعة. وحينما يقبل الشعب تنصيب رئيس الحكومة الذي يختاره الاحتلال، ومهما بدا هذا “جيداً” فقد حكم على نفسه بالخضوع للاحتلال، وفي كل شيء! وستكون للاحتلال ساحة فارغة من اية قوة غيره، وسيقوم الإعلام الذي يسيطر عليه تماما أيضا، بتصوير الامر وكأن من يدير الخراب جهة أخرى هي “دول الجوار” مثلا، أو “الفساد”. ولتوكيد هذه النظرة سيسعى الاحتلال بالفعل الى استغلال الفساد الوطني الذي بناه وحماه، وسيلعب فساد دول الجوار دوره ايضاً. وهكذا يحصل إعلام الاحتلال على مصداقية كافية لحرف النظر عن الرأس الذي يقود الخراب، وليبدو هذا الخراب عشوائيا وناتجاً طبيعيا ذاتيا من الشعب والمنطقة.

 

هل يمكن السيطرة على الحكومة الى هذه الدرجة بالفعل؟ عندما كان الجيش العراقي يحاصر ساحات الاعتصام في زمن المالكي، كان الوضع متوتراً جدا، وكان المالكي شديد الحرص على ان يحل المشكلة دون أن تترك اثرا يحرمه من إعادة انتخابه ثانية، وهو الهدف الطبيعي لأي رئيس وزراء، سواء كان وطنيا أو لم يكن. وفي احد الأيام خرج جندي من الجيش وبدأ يطلق النار على المعتصمين واقفا (مما يدل على انه لم يكن هناك اطلاق نار بالمقابل). توقعت ان ينتقم المالكي من هذا الجندي شر انتقام، لكن شيئا لم يحصل! ففهمت ان هذا الجندي اقوى من رئيس الوزراء نفسه، وأنه موجه ومحمي من جهة كبرى، وليس هناك سوى جهة كبرى واحدة!

واستمرت الأمثلة التي تدل على هؤلاء سواء بقتل العلماء العراقيين أو بنشر الإرهاب او تهريب السجناء دون ان تفعل الحكومة شيئا، ولا تقدم مذنبا واحدا للعدالة! وتكرر المشهد والمالكي يترك الضباط الخونة الذين سلموا الموصل يخرجون بلا عقاب! لقد كانوا يعملون لجهة اقوى منه إلى الدرجة التي تجبره على قبول تلك الإهانة وذلك العار في تاريخه. إن اتهام المالكي بتعمد هذا الأمر، أمر غير معقول وليس عليه دليل. لقد كان مجبرا ورضخ بكل مذلة.

 

وفي زمن العبادي كانت الإهانات التي حصل عليها تكفي لإهانة سلسلة طويلة من الحكام حتى اصبح مسخرة، ودون ان يفعل أي شيء. فكان الإذلال الأول له أمام كردستان، ليدفع ثمن كرسيه بشكل صريح، ثم ليعيد الجيش الأمريكي ولا يعين وزيرا في منصب هام بدون موافقتهم. لقد جعل العبادي من نفسه مسخرة بشكل خاص، وبشكل لا يمكن أن يختاره بنفسه عندما تعهد بمحاربة الفساد، دون ان يحاسب فاسداً واحداً. لقد كان خالد العبيدي محتالا وفاسدا ثبتت ادانته كما لم تثبت ادانة أي فاسد في اية حكومة عراقية. ولم يفلت الرجل بجلده فقط، بل عاد ليعاد انتخابه ضمن كتلة العبادي ذاتها، وكان له فيها مكانة و “هيبة”!

عين العبادي وزيرا آخر للدفاع، اثبت انبطاحه التام حين استقبل صهر ترمب، الشاب المشهور بفساده، وكأنه يستقبل ضابطا أعلى منه جاء لتفتيش وزارته! كذلك استقبل وزير الدفاع جنديا اثار لغطا إعلاميا بادعائه ان مستشفى عسكري سرق منه كلية، ووعده الوزير أمام عدسات التلفزيون، بأن يقتص له ممن اجرم بحقه، ليتبين ان هذا الجندي محتال وانه اخترع القصة لسبب ما، ربما اثارة البلبلة فقط.

إن من خدم في العسكرية، يعرف جيداً مصير الجندي الذي يحاول خداع حتى نائب ضابط بسيط، وليس ضابطا، دع عنك وزير دفاع، ويجعله مسخرة أمام الناس وفي الإعلام. لكن هذا الجندي العجيب، افلت ولم يحاسبه أحد! إنه جندي “عالي”، مثل جندي المالكي. جندي فوق القائد العام للقوات المسلحة!

 

وهذا يفسر أيضا بشكل افضل، عمليات الاعتقالات والاغتيالات التي لا يبدو لها أي معنى او مناسبة من قبل الحكومة لبعض المتظاهرين والناشطين. وهؤلاء ليس لهم أية قيمة او تأثير على الحكومة لو تركوا طلقاء، ولا يستطيعون ازعاجها إلا حين يتم اختطافهم فتنهال الصحافة على الحكومة، رغم اننا ليس لدينا حكومة كالحكومات، لها مصالح وتمارس العنف من اجل الدفاع عنها! هي قد تكون جهات مسلحة تابعة للحكومة، لكن من المؤكد انها تستلم اوامرها من جهة أخرى اعلى منها. وينطبق هذا الامر على اتهام بعض فصائل الحشد الشعبي باختطاف بعض الناشطين. ورغم انه من المؤكد ان بعض أعضاء تلك الفصائل يمارسون الخطف من اجل المال، إلا ان خطف الناشطين يبدو وكأنه لا يستهدف إلا اعطاءهم بعض الشهرة أو الإساءة للحشد.

 

إذا كانت السفارة تدير كل هذا الإرهاب والتخريب، فلماذا تبدو بعيدة عن الأمر، ويبدو من يتحدث وكأنه من المهووسين بنظرية المؤامرة؟ إن عدنا الى حديث نيكسون مع كيسنجر حول الانقلاب الذي نفذته السي آي اي على اليندي، فإننا نسمعه يقول له بعد ان أوصل الأخير له خبر نجاح الانقلاب: “لكن يدنا ليست في المشهد اليس كذلك؟” فيطمئنه كيسنجر بأن المشهد يبدو بالشكل التالي: “نحن لم نفعلها، لقد ساعدناهم فقط”!

لقد مضى على ذلك نصف قرن، تطورت الأساليب فيه بشكل مذهل، وصارت تلك الجهات “تفعلها” دون أن يبدو انها تتدخل ولا حتى كـ “مساعدة”! لقد صروا أكثر مهارة في إخفاء علاقتهم بالجريمة، ورغم ذلك فهناك غالباً علامات تكشف الحقيقة لمن يريد معرفتها.

إننا نتذكر عندما قتلت امرأة شابة اثناء التظاهرات الإيرانية في انتخابات احمدي نجاد الثانية، وكيف كانت المؤشرات كلها تشير إلى افتعال الحادث من قبل قناصين مؤجرين، وليس من الشرطة، حيث ان الشرطة كانت غير مسلحة، احتياطاً، إضافة إلى ذلك فلم تكن للفتاة أية أهمية في التظاهرة (تبين فيما بعد انها كانت تمر بالصدفة). لكننا في العراق نواجه وضعا اصعب بكثير جدا. فالاختراق هو في داخل الشرطة نفسها، وعند الحاجة فسوف يطلق هؤلاء باسم الشرطة النار او يعتلقوا من يريدون، للغرض الذي يريده اسيادهم مثل الإساءة الى الحكومة أو رفع شأن الشخصية المتضررة إعلاميا، أو مجرد إثارة البلبلة في البلد، وهم آمنين مطمئنين أن من يقف وراءهم اقوى من القائد العام للقوات المسلحة ذاته.

 

ما اردت قوله هو أن البلد فوضى تتجول فيه جهات مسلحة اقوى من الحكومة تقودها السفارة، وأن كل حكومة يتم تنصيبها تبلغ بأن لها حدوداً ليس لها أن تتعداها. وبالعودة إلى موضوع البصرة، فإن أهلها يجدون انفسهم تحت ضغط تلك القوى الإرهابية وبدون أية حماية من الحكومة. وتقتضي الخطة، تماما كما كانت للمواطن الشيلي، تحطيم وسائل العيش إلى ان تجعل البصري “يصرخ” من الألم.. وان يعرض عليه دائما، البديل – الانفصال أو الإقليم، وتوجه له الدعوة لتجربته.

والنتيجة؟ في قصتي “مبدأ الكوبرا”(2) يدفع الألم الأرنب المسموم إلى طلب الموت للتخلص من معاناته، وتطلب أجزاء الارنب ان تنفصل عن بعضها من شدة تقلصها. وهكذا فإن المواطن العراقي الذي يسكن البصرة يجب ان يطبخ ويطبخ حتى تسقط مقاومته، ويشتاق الى الانفصال ويطلبه بنفسه! وما لم يفعل العراقيون شيئا، وبوجود حكومة تأتمر بالاحتلال حتى النهاية، تبدو كل الخيارات مغلقة لأهل البصرة عدا واحداً ترك مفتوحاً، وهو القبول بالانفصال، بكل ما يعني ذلك من دمار موت سوف يشمل العراق كله كما هو مخطط بالأصل!

شاهد أيضاً

ماذا لو؟ نضال سواس

ماذا لو؟ ماذا لو أننا فكرنا بعملية اندماج حقيقي بين طبقات المجتمع المختلفة دينياً وطبقياًوثقافياً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *